يرى الكاتب الأمريكي توماس فريدمان أن تفشي فيروس كورونا المُستجد “كوفيد 19” هو بمثابة اختبار لصناع القرار في العالم؛ حيث أصبح لزامًا عليهم أن يتخذوا قرارات مصيرية كبرى في ظل أوضاع ضبابية ومعلومات ناقصة وانتقادات للقرارات التي يتخذونها.

وقال فريدمان – في تقرير رأي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية – إنه بالرُغم من رغبة قادة الدول في تفادي تفشي الوباء العالمي، إلا أن إغلاق العديد من الشركات وتسريح ملايين العمالة دفع بعض الخبراء إلى التساؤل عن الخسائر التي سيتعرض لها الاقتصاد، والتي ستؤثر على الأجيال القادمة، وبدأوا يتساءلون عن أي سبيل يُمكنهم من تفادي تلك الخسائر التي ستفوق نتائجها أضرار تفشي المرض بكثير، ولو لفترة قصيرة.

وأوضح فريدمان أن قادة العالم لا يتخذون قراراتهم في ذلك الوقت عشوائيًا، ولكنهم يتبعون نصائح أخصائيي الأوبئة وخبراء الصحة العامة؛ إلا أننا ينبغي علينا أن نتوخى الحذر عند تبني إستراتيجية مُعينة للعمل بها، فنحن نُصدر قرارات تُؤثر على دولة واقتصادها بالكامل، وإذا كانت هناك بعض الأخطاء الصغيرة فقد يكون لها تداعيات وخيمة”.

وفي ظل انتشار فيروس الكورونا (كوفيد19) عالميًا، فقد أصبحنا في حاجة ماسة إلى توفير المزيد من الأسِّرة في المستشفيات، ومعدات العلاج لأولئك الذين يحتاجونها، وأقنعة التنفس “N95” للأطباء والممرضين الذين يعتنون بالمرضى”، مُضيفًا إننا أصبحنا كذلك في حاجة ماسة إلى توفير اختبارات سريعة وواسعة النطاق.

وأردف فريدمان يقول إن علينا أن نسأل أنفسنا جميعًا إذا كان بإمكاننا الحد من نسبة إصابة الأشخاص الأكثر ضعفًا بهذا الفيروس، ونزيد بتلك الطريقة فرص عودة أكبر قدر ممكن من المواطنين الأقل تضررًا من الفيروس إلى أعمالهم في أسرع وقت ممكن.

وافترض أحد الخبراء الذين تحدثت معهم – حسبما ذكر فريدمان – قدرتنا على العودة إلى العمل في غضون أسابيع، إذا توقفنا للحظات وقررنا التفكير جيدًا في كيفية التعامل مع التحدي الذي يمثِّله هذا الفيروس.

ونوه بأن العديد من خبراء الصحة يرغبون في إيجاد وسيلة للموازنة بين القضايا الأخلاقية والاقتصادية والطبية التي تشغل الرأي العام حاليًا، مُضيفًا أننا نشهد حاليًا وضعًا متعثرًا للغاية في كيفية تعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع انتشار فيروس كوفيد19 الذي كان ينظر إليه في البداية على أنه خدعة، وبدّل رأيه في غضون يومين واعتبره “حالة حرب” على الولايات المتحدة.

حجم الخسائر ومعدل الوفيات

واقتبس الكاتب الأمريكي عن جون إيونيديس خبير الأوبئة والمدير المُشارك لمركز أبحاث ميتا للأبحاث في جامعة ستانفورد قوله في مقالة نشرها يوم 17 مارس إننا نعجز حتى الآن عن تحديد معدل الوفيات بين البشر جراء الإصابة بالفيروس، مُضيفًا أن أفضل الأدلة التي نمتلكها حتى الآن تُشير إلى أنها قد تبلغ 1% فقط أو دون ذلك.

وإذا كان هذا هو المُعدل الحقيقي للوفيات – كما ذكر إيونيديس – فإن إغلاق العالم وما سيتسبب فيه من تداعيات مالية واجتماعية هائلة للغاية سيكون غير منطقيًا أبدًا

من جانبه، قال ستيفن وولف، المدير الفخري لمركز دراسات المجتمع والصحة بجامعة فرجينيا كومنولث، إن رد فعل المجتمع تجاه فيروس كوفيد 19، والذي تمثل في إغلاق الشركات وعزل المجتمعات قد يكون ضروريًا للحد من تفشي الفيروس، لكنه قد يضر بالصحة بطرق أخرى ويتسبب في وفاة الكثيرين؛ إذ يخشى بعض المرضى المصابين بآلام في الصدر أو يشعرون بأعراض السكتة الدماغية، والذين هم في حاجة ماسة إلى مساعدة طبية عاجلة، من الاتصال بأرقام الطوارئ خوفًا من الإصابة بفيروس كورونا عند نقلهم إلى المستشفيات.

وأضاف أن مرضى السرطان أيضًا لم يسلموا من ذلك، إذ يضطرون إلى تأخير علاجهم الكيميائي لأن المراكز التي يتلقون فيها العلاج مُغلقة، أو المرضى الذين يعانون من انتفاخ الرئة في مراحله المُتقدمة قد يموتون بسبب عدم وجود مرفق صحي مزود بجهاز تنفس صناعي.

وتابع وولف “ولك أن تتخيل أيضًا حجم الأمراض النفسية والعصبية التي قد تنتشر – وبدأت بالفعل – نتيجة لإغلاق اقتصادنا وتسبب ذلك في تسريح العمال بشكل كبير”، مُضيفًا “تسريح العمالة سيترك العديد من العاملين دون تأمين صحي، ويجبر العديد من الأسر على التخلي عن الرعاية الصحية وشراء الأدوية مقابل توفير الغذاء والسكن والاحتياجات الأساسية الأخرى للأسرة”.

البديل الآخر

واقتبس فريدمان بديلًا آخرًا طرحه الطبيب الأمريكي ديفيد كاتس المدير المؤسس لمركز الدراسات الوقائية “ييل-جريفين” التابع لجامعة ييل، وخبير الصحة العامة والطب الوقائي.

وقال كاتس نملك ثلاثة أهداف رئيسية في الوقت الحالي وهي “إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح، والتأكد من عدم تعرض نظامنا الطبي لحالة من الإرباك، مع الحرص ألا يتسبب تنفيذ الهدفين الأولين في تدمير الاقتصاد، وبالتالي، خسارة المزيد من الأرواح”.

واستطرد قائلًا “لذلك، نحن بحاجة إلى التخلي عن إستراتيجية “الحظر الأفقي” التي تُطبق بها سياسات تقييد الحركة والتجارة على جميع السكان بشكل موحد دون مراعاة لخطر تفشي العدوى، واستبدالها بإستراتيجية “الحظر العمودي” أو “الدقيق” بحيث يُعزل الأشخاص المُحتمل نقلهم للفيروس عن أولئك الأكثر ضعفًا وخطرًا من الوفاة بالمرض؛ أي كبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة وأولئك الذين لديهم ضعف في المناعة”.

وتابع “هذا يعني أنه على الأشخاص الأقل تضررًا أن يتجنبوا الآخرين عند السعال أو العطس، وأن يغسلوا أيديهم بانتظام، وفي حالة شعورهم بالإعياء عليهم عزل أنفسهم ذاتيًا في منازلهم وتجاوز فترة حضانة الفيروس، أو طلب الرعاية الطبية إذا لم تتحسن حالاتهم كما هو متوقع”.

وأضاف هذا هو الحال مع الأنفلونزا الموسمية، فالغالبية العظمى قادرة على التغلب عليه في غضون أيام معدودة، وسيتسبب في دخول عدد صغير جدًا من السكان إلى المستشفى، وسيموت بسببه نسبة صغيرة جدًا من الأشخاص الأكثر ضعفًا، إلا أن الفيروس بالتأكيد أكثر خطورة من الأنفلونزا المُعتادة التي نعرفها.

وأردف كاتس يقول إن تبني الحكام لإستراتيجية “الحظر الأفقي” ربما أسهم بالفعل في خطر إصابة الأشخاص الأكثر ضعفًا بفيروس كورونا، بعد عزلهم لجميع الأشخاص في آن واحد بمنازلهم لفترة غير محدودة.

حذر الطبيب الأمريكي بالقول “ففي الوقت الذي تُسرح فيه القوى العاملة بشكل جماعي، وتُغلق الجامعات، ويعود الأشخاص المُصابون بالفيروس إلى عائلاتهم في جميع أنحاء البلاد مرة أخرى، وفي ظل افتقارنا لوجود أجهزة فحص واختبار للسكان في كل مكان، فقد يحمل الأشخاص العائدون الفيروس وينقله إلى آبائهم الذين يبلغون من العمر 50 عامًا فأكثر”.

وأشار كاتس إلى أنه ما يزال أمامنا حتى الآن فرصة لإعادة إحياء الأنشطة والأعمال في مجتمعنا في خلال فترة قصيرة أسبوعين أو أكثر من خلال تبني إستراتيجية أكثر دقة في القضاء على الفيروس، وتعميم إستراتيجية العزل لمدة أسبوعين فقط، فإذا كنت مُصابًا بالفيروس، فستظهر الأعراض عادة في غضون أسبوعين من الإصابة.

وقال إنه يجب على الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض الفيروس أن يعزلوا أنفسهم، وهو ما نفعله بالضبط مع المصابين بالإنفلونزا الموسمية، أما أولئك الذين لا يشعرون بأي أعراض للفيروس، وكانوا من الفئات الأقل تضررًا من الفيروس، فعليهم العودة إلى عملهم أو مدرستهم بعد انتهاء مدة الأسبوعين.

ونوه بأننا علينا أن نبذل قصارى جهدنا في منع أي اختلاط مع الأشخاص الأكثر ضعفًا؛ أي كبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة وأولئك الذين يعانون من ضعف في المناعة، مُضيفًا أننا نستطيع كذلك إنشاء مجموعات فرعية من العاملين بالقطاع الصحي والذين كشفت اختباراتهم عن سلبية تعرضهم للفيروس من أجل الاعتناء بشكل تفضيلي بالأشخاص الأكثر عرضة للخطر.

وأشار إلى أن علينا حماية الأشخاص الأكثر ضعفًا حتى يتمكن الفيروس من إنهاء دورته وأن يُصاب الغالبية العظمى من السكان بأعراض بسيطة ناجمة عن هذا الفيروس، وأن يكتسبوا مناعة طبيعية ضده، وفي الحالات التي تدهور حالتهم الصحية من بين الفئات الأقل تضررًا فإنه سيتمكن من الحصول على رعاية طبية متخصصة من نظام طبي غير مُرتبك ومُتكدس.

وأوضح كاتس أننا لا نستهدف الوصول بحجم انتشار الفيروس إلى الصفر بعد مدة الأسبوعين، لأننا لن نستطيع تحقيق انتشار بنسبة صفر مئوية تحت أي سيناريو، لكننا نستهدف تقليل الحالات الحرجة من خلال عزل الأشخاص الأكثر ضعفًا عن أولئك الذين تظهر عليهم أعراض الفيروس أو لا تظهر عليهم.

ونصح كاتس بأننا علينا أن نستغل هذه الفترة الانتقالية التي تستمر لمدة أسبوعين أو أكثر في استخدام تحليلات البيانات من أجل تحديد أفضل المعايير المُمكنة للتمييز بين الأشخاص الأكثر ضعفًا تجاه المرض عن أي شخص آخر.

أنشأ كاتس نموذجًا تقريبيًا على موقعه الإلكتروني لإستراتيجية العزل لمدة أسبوعين، بالإضافة إلى عزل الأشخاص الأكثر ضعفًا تجاه المرض، وكيفية تصنيف مخاطر الفيروس، وردود الفعل المختلفة تجاه المرض.

ويرى فريدمان أن الإستراتيجية التي يطرحها ديفيد كاتس هي واعدة وواقعية، فهو يُدرك جيدًا أنه لا يوجد وسيلة لتجنيب السكان من التعرض للفيروس، بل يستعرض أهمية أن نتجاوز تلك النقطة وندع الأشخاص القادرين على اكتساب مناعة طبيعية تجاه الفيروس من أن يتعافوا بشكل طبيعي ويعودوا إلى أعمالهم وحياتهم الطبيعية، وفي الوقت نفسه، حماية الفئات الأكثر ضعفًا.

واقتبس فريدمان من كاتس قوله إن التأكد من تعافي الأفراد الأقل عرضة للمرض بالكامل، وأنهم قد اكتسبوا مناعة حقًا ضد المرض، وأنهم لن يتسببوا في نقل العدوى هي خطوة مهمة في حماية الفئات الأكثر ضعفًا.

وخلص كاتس إلى أنه بمجرد انخفاض معدلات انتقال العدوى إلى ما يقرب من مستوى الصفر، واكتساب السكان مناعة جماعية أو ما يعرف بـ “مناعة القطيع”، عندئذ سنستطيع رفع الرعاية التفضيلية عن الفئات الأكثر ضعفًا، وهي ما قد تستغرق شهورًا، لكن خطته تضمن عودة الحياة الطبيعية لأغلب السكان في عدد من الأسابيع مُقارنة بالإستراتيجية الحالية التي ليس لها مدة مُحددة لانتهاء تفشي الفيروس.

واختتم فريدمان مقاله بالقول إننا أمام خيارين: إما أن نسمح للكثير منا بالتعرض لفيروس كورونا والتعافي منه والعودة إلى أعمالنا مرة أخرى، بينما نبذل قصارى جهدنا لحماية الفئات الأكثر ضعفًا، أو نستمر في غلق المُجتمع لمدة أشهر عديدة من أجل إنقاذ الجميع من هذا الفيروس، والتسبب في قتل العديد من الأشخاص لأسباب أخرى، والقضاء على اقتصادنا، وعلى الأرجح مُستقبلنا أيضًا.

Share.

Leave A Reply