أصبحت “عاصفة السيتوكين” ظاهرة شائعة ومتكررة، خاصة بين الشباب، ولكن العلاج ما زال في طور الاختبار.

بقلم: أبورفا ماندافيلي

1 إبريل 2020

وصل رجل في الثانية والأربعين من عمره إلى مستشفى في باريس يوم 17 مارس وهو يعاني من حمى وسعال و”مظهر الزجاج المغشى” في الرئتين، وهذه كلها مؤشرات على إصابته بفيروس كورونا الجديد.

بعد يومين، تدهور وضعه بشكل مفاجئ، وانخفض مستوى الأكسجين لديه، واشتبه الأطباء بإصابته بعاصفة السيتوكين، وهي رد فعلٍ مناعيٍّ مفرط وخطير. وقد أصبحت هذه الظاهرة شائعة جدًا مع انتشار جائحة فيروس كورونا، ولكنها تشير أيضًا إلى علاجات دوائية مفيدة محتملة.

عندما يواجه الجسم فيروسًا أو بكتيريا لأول مرة، يحشد جهاز المناعة قدراته ويبدأ في محاربة هذا العدو. والقوة الضاربة في هذه المعركة هي جزيئات تسمى “السيتوكينات” تطلق سلسلة من الإشارات إلى الخلايا لتنظيم استجابة الجسم. وكلما كانت هذه الاستجابة المناعية أقوى، زادت فرصة التغلب على العدوى، وهذا يفسر جزئيًا سبب كون الأطفال والشباب أقل عرضة بشكل عام للإصابة بفيروس كورونا. وبعد هزيمة العدو، ينهي جهاز المناعة هذه الاستجابة.

ويقول الدكتور راندي كرون، الخبير في عواصف السيتوكين في جامعة ألاباما في برمنجهام، إن “هذا يحدث لدى معظم الناس وفي معظم حالات العدوى”.

ولكن في بعض الحالات (التي تصل نسبتها وفقًا لفريق الدكتور كرون إلى 15% ممن يقاومون أي عدوى خطيرة)، يواصل جهاز المناعة هجومه حتى بعد زوال تهديد الفيروس، ويستمر في إطلاق السيتوكينات التي تُبقي الجسم في حالة مرهقة من التأهب الكامل. وفي خضم الاندفاع الأعمى لهذه السيتوكينات للحفاظ على سلامة الجسم، تهاجم العديد من أعضائه بما في ذلك الرئتان والكبد، وقد يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى الوفاة.

في هذه الحالات تكون استجابة جسم المريض، وليس الفيروس، هي السبب الأساسي للأذى الذي يلحق به.

يمكن أن تصيب عاصفة السيتوكين المرضى من جميع الأعمار، ولكن بعض العلماء يعتقدون أنها يمكن أن تكون السبب وراء وفاة الشباب الأصحاء خلال جائحة عام 1918 وفي السنوات الأخيرة خلال أوبئة المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (السارس)، ومُتلازمة الشرق الأوسط التنفُّسية (الميرس)، وإنفلونزا الخنازير. وهي أيضًا من مضاعفات أمراض المناعة الذاتية المختلفة مثل الذئبة وداء ستيل، وهو شكل من أشكال التهاب المفاصل. كما أنها قد تقدم أدلة على سبب تعرض الشباب الأصحاء الذين يصابون بفيروس كورونا لمتلازمة الضائقة التنفسية الحادة، وهي نتيجة شائعة لعاصفة السيتوكين.

تحدثت التقارير الواردة من الصين وإيطاليا عن مرضى شباب ظهرت لديهم نتائج سريرية تبدو متسقة مع هذه الظاهرة. ويقول الدكتور كرون إن حدوث عاصفة السيتوكين لدى بعض هؤلاء المرضى هو احتمال كبير جدًا.

في حالة المريض البالغ من العمر 42 عامًا، دفع الاشتباه بإصابته بعاصفة السيتوكين أطباءه إلى تجربة علاجه بدواء توسيليزوماب، وهو دواء يستخدم أحيانًا لتهدئة جهاز المناعة عندما يكون في ضائقة.

بعد تناول جرعتين فقط من هذا الدواء، بفاصل ثماني ساعات بينهما، اختفت الحمى سريعًا لدى المريض، وارتفع مستوى الأكسجين في جسمه، وأظهرت صورة الأشعة التي التقطت لصدره تحسن مظهر الزجاج المغشى في رئتيه. يُضاف تقرير هذه الحالة، الذي ستتناوله بالتفصيل دراسة ستنشر قريبًا في مجلة حوليات علم الأورام “Annals of Oncology”، إلى عشرات التقارير الواردة من إيطاليا والصين، التي تشير كلها إلى أن توسيليزوماب قد يكون دواءً فعالًا لعلاج بعض المرضى المصابين بفيروس كورونا.

في يوم 5 مارس، وافقت الصين على هذا الدواء لعلاج حالات الإصابة الخطيرة بالمرض الذي يسببه فيروس كورونا، وسمحت بإجراء التجارب السريرية. وبتاريخ 23 مارس، منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية موافقتها لشركة الأدوية “روش” على اختبار الدواء على مئات الأشخاص المصابين بفيروس كورونا.

توسيليزوماب هو دواء مُعتمد لتهدئة جزيئات الجهاز المناعي لدى المصابين بالتهاب المفاصل الروماتويدي وفي بعض أنواع السرطان. وهو يوقف نشاط سيتوكين محدد اسمه “انترلوكين 6” يرتبط بالاستجابة المناعية المفرطة.

ويقول الدكتور لورنس ألبيجس، الذي أشرف على رعاية المريض في مركز غوستاف روسي لعلاج السرطان في باريس إن “هذا هو سبب استخدام الدواء”.

بينما يبحث الباحثون عن علاج، ما زالوا يحاولون معرفة المزيد عن السبب الذي يجعل جهاز المناعة لدى بعض الأشخاص يندفع هذا الاندفاع الخطير. والعوامل الوراثية تلعب دورًا بكل تأكيد، على الأقل في بعض أنواع عواصف السيتوكين.

هناك أشكال مختلفة كثيرة لهذه الظاهرة، ولها أسماء متعددة من بينها: متلازمة الاستجابة الالتهابية الجهازية، ومتلازمة إفراز السيتوكينات، ومتلازمة تنشيط البلاعم، وداء البلعمة.

بشكل عام، تتسم جميع هذه الحالات بارتفاع كبير في الجزيئات المناعية، وقد تسبب كلها وقف أعضاء عديدة، ما يؤدي إلى الوفاة.

ولكن الخبراء يقولون إن الكثير من الأطباء لا يعرفون هذه الحالة غير الشائعة أو كيفية علاجها.

فالدكتورة جيسيكا مانسن، أخصائية أمراض المناعة في مستشفى كلية جامعة لندن، تقول إن “الجميع يتحدثون عن عاصفة السيتوكين كما لو أنها ظاهرة معروفة. ولكنك لو سألت المسعفين عنها قبل أسبوعين لقالوا إنهم لم يسمعوا بها من قبل.”

قد يعاني المريض المصاب بعاصفة السيتوكين من ارتفاع كبير في معدل ضربات القلب وحمى وانخفاض في ضغط الدم. وإلى جانب الارتفاع في أعداد إنترلوكين 6، قد يحدث ارتفاع كبير في مستويات جزيئات إنترلوكين 1، وإنترفيرون جاما، وبروتيـن سي التفاعلي، وعامل نخر الورم ألفا.

في حالة حدوث هذه العاصفة، فإنها تصبح واضحة بعد بضعة أيام من الإصابة بالعدوى. ولكن اكتشاف الأطباء لها وعلاجها بصورة مبكرة يزيد من احتمال نجاة المريض من الموت. أما في حالة اكتشافها في وقت متأخر، فربما تكون قد خرجت عن السيطرة أو سببت أضرارًا كبيرة.

وهناك فحص بسيط نسبيًا وسريع ومتوفر بسهولة يمكن من خلاله الكشف عن إصابة المريض بعاصفة السيتوكين. وهو يبحث عن مستويات مرتفعة لبروتين يسمى بالفيريتين.

ولكن ماذا لو أظهر الفحص وجود عاصفة السيتوكين؟

يقول الدكتور كرون إن الحل الواضح في هذه الحالة هو إيقاف العاصفة: “إذا كانت استجابة الجسم للعدوى هي التي تقتله، فيجب معالجة تلك الاستجابة.”

الواقع أعقد من ذلك، خاصة في ضوء نقص البيانات الموثوقة عن فيروس كورونا (كوفيد-19). ولكن الدكتور كرون يشير إلى أن المصابين بالتهاب المفاصل يتناولون أدوية مثل توسيليزوماب بانتظام، ويقول إن فائدة هذا الدواء ربما تفوق ضرره المحتمل إذا كان المريض على وشك الموت.

ويتابع الدكتور كرون قائلًا: “نحن بحاجة إلى بيانات قائمة أدلة. ولكن عندما تكون هناك جائحة نتعامل معها وفقًا لحدسنا دون وجود تجارب سابقة، علينا دائمًا أن نعالج المريض الذي أمامنا.”

توجد أدوية أخرى قد تكون مفيدة أيضًا لعلاج عاصفة السيتوكين. فهناك مثلًا دواء اسمه أناكينرا يقمع إنترلوكين 1، وهو بروتين مشاكس آخر. وتجري حاليًا تجارب سريرية لاستخدام أناكينرا لعلاج مرض فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19). كما نُشر هذا الأسبوع تقرير يشير إلى أن هيدروكسي كلوروكوين، وهو دواء معروف يُستخدم لعلاج الملاريا ويهدئ أيضًا الاستجابة المفرطة للجهاز المناعي، ربما يكون فعالًا أيضًا لعلاج المرضى الذين تظهر عليهم أعراض خفيفة لمرض فيروس كورونا.

وقد يلجأ الأطباء أيضًا إلى الستيرويدات القشرية، التي تثبط بشكل عام استجابة الجهاز المناعي بكامله. ولكن هذا الأمر محفوف بالمخاطر، لأنه يعرض المريض للإصابة بأنواع أخرى من العدوى، خاصة إذا كان في المستشفى. وفي هذا الشأن تقول الدكتورة مانسن: “الأمر يتعلق بالموازنة بين تثبيط الاستجابة المفرطة للجهاز المناعي والسماح لجهاز المناعة بمحاربة الفيروس.”

عُقد قبل أسبوعين اجتماع لمجموعة من الخبراء لمناقشة أفضل السبل لجمع المزيد من البيانات وعلاج المرضى الذين تظهر عليهم أعراض الإصابة بعاصفة السيتوكين. ومن الواضح أن تعقيدات جهاز المناعة ومسار فيروس كورونا يعنيان عدم وجود علاج واحد هو الأفضل في جميع الحالات.

في مركز غوستاف روسي لعلاج السرطان، عالج الأطباء مريضًا آخر بدواء توسيليزوماب، ولكن لم تظهر عليه أي بوادر تحسن بعد تناول هذا الدواء.

ويشرح الدكتور فابريس أندريه، وهو طبيب أورام في المركز، سبب ذلك بقوله إن “الاستجابة للعامل المُمرِض، أي الفيروس، تختلف اختلافًا كليًا من شخص لآخر. والتجارب هي التي تحدد المرضى الذين سيستفيدون من هذا الدواء.”

Share.

Leave A Reply