أكد الكاتب البريطاني برنارد مار أن العالم الذي نعرفه يتغير بسرعة فائقة، فالطريقة التي تسير بها الأمور من إغلاق كل وسائل الترفيه وتفادي التجمعات، قد تجعلنا نرى أن الضحية التالية لتفشي وباء كورونا المُستجد “كوفيد 19” ستكون مخاوفنا بشأن انتهاك الخصوصية ومراقبة الدولة لأنشطتنا اليومية.

وقال مار، في تقرير تحليلي نشرته مجلة “فوربس” الأمريكية، إن الاحصائيات والخبراء يشيرون إلى أن الصين التي كانت نقطة انتشار الفيروس التاجي “كوفيد 19” الأصلية استطاعت احتواء انتشاره، لكن ذلك بالتأكيد كلفها الكثير.

وأوضح مار أن الصين تبنت، حتى قبل تفشي الفيروس التاجي، تدابير صارمة لمراقبة مواطنيها وتتبعهم باستخدام التقنيات الحديثة أكثر بكثير من الدول الغربية، إلا أنها بعد تفشي الفيروس زادت بصورة كبيرة من حدة هذا التدخل في الحياة اليومية؛ حيث ارتدى الضباط كاميرات مُثبتة على خوذاتهم والتي تتمكن من تحديد الأفراد الذين يعانون من ارتفاع في درجات حرارة الجسد من ضمن مجموعة كبيرة من الأشخاص، كما استخدمت تطبيقات الهواتف الذكية لتقييم المواطنين باستخدام علامات ترميز توضح مستوى الخطر الذي يُمثله الشخص.

وأضاف أن السلطات الصينية نشرت الطائرات المسيرة المزودة بكاميرات تستشعر حرارة الأشخاص وأخرى مُثبت عليها مكبرات صوت، وثالثة مُثبت عليها “جهاز رش مواد كيميائية” من أجل إنفاذ قوانين الحجر الصحي الصارمة التي قد يُسجن منتهكوها لفترات تصل إلى سبع سنوات.

ونوه بأن الصين ليست هي فقط من انتهكت خصوصية الأفراد من أجل تتبعهم، بل السلطات الإيرانية كذلك شجعت مواطنيها على تثبيت تطبيق قالت إنه يستخدم لتشخيص الإصابة بالعدوى، دون الإشارة إلى أنه يُمكن استخدامه أيضًا لتتبع تحركات مواطنيها، لذلك، وبعد أن كشف باحثون أمنيون عن قدراته الحقيقية، أُزيل التطبيق بسرعة من متجر التطبيقات وتبرأ المسؤولون منه.

ورُغم ما شهدته الصين من إجراءات صارمة لتطبيق الحجر الصحي على مواطنيها، إلا أن ذلك كلل جهودها بالنجاح وتُشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن السلطات الصينية إلى أن الانتشار المحلي للمرض قد توقف بشكلٍ كامل تقريبًا، وتأتي الغالبية العظمى من الإصابات الجديدة حاليًا من الخارج.

ويقول الكاتب البريطاني إن انتقال مركز تفشي المرض من آسيا إلى الدول الغربية يضع قادتها في حيرة من أمرهم، فهل سيستطيع قادتها اتخاذ إجراءات مماثلة لما اتخذتها الصين لتحقيق نفس المستوى من النجاح؟ وهل سيتقبل مواطنوها المستوى ذاته من التدخل التكنولوجي في حياتهم الخاصة؟

ويوضح مار أن الدعوة لاتخاذ إجراءات “أكثر صرامة” تزايدت في الآونة الاخيرة، خاصة بعد أن أصبح استخدام تلك الإجراءات في الدول الأخرى ذات الحكم السلطوي أكثر شيوعًا، فيما اتُهم قادة الدول الغربية بالتباطؤ في اتخاذ إجراءات صارمة، أو بتقديمهم مصالحهم السياسية على السلامة العامة، من حيث تأخير إجراءات مثل عمليات الإغلاق العام ووقف الأنشطة التجارية وحظر الفعاليات العامة.

ويُشير إلى أن السلطات تستخدم مشاعر المواطنين الحالية وحاجتهم إلى تطبيق إجراءات أكثر صرامة في تبني إجراءات جديدة تنتهك خصوصية الأفراد. فعلى سبيل المثال، في بريطانيا، تستخدم الحكومة خاصية تحديد الموقع في البيانات الفردية من أجل قياس مدى امتثال المواطنين لإجراءات العزل والحجر الذاتي والعزل الاجتماعي، كما تستخدم البيانات المجمعة من مزود خدمة الهاتف المحمول (02) لمراقبة الحركة العامة للمواطنين في جميع أنحاء العاصمة البريطانية، وتقيس من خلالها ردود أفعال الأفراد على القيود المفروضة حديثًا على وسائل النقل العام.

ويرى أنه في حين قد يعترض البعض في الوقت الحالي على هذا النوع من التحليل للبيانات السلوكية المجمعة بصورة عشوائية، فإننا نُدرك من التجربة الصينية أن تلك الخطوات قد تتطور لاحقًا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه حاليًا هو كم عدد الإصابات والوفيات التي نحتاج لتكبدها قبل أن نوافق على تتبع الأفراد المؤكد إصابتهم، أو المعرضين لخطر الإصابة، موضحًا أن ذلك لم يعد شيئًا مبررًا فحسب، بل أصبح ضرورة حقيقية.

وأوضح أن أحد العوامل الهامة التي يجب وضعها في الاعتبار حال تبني مثل تلك السياسات بتتبع المواطنين تكمن في الشفافية والصراحة، فلا يوجد مبرر حقيقي لجمع البيانات وتحليلها سرًا، على عكس ما كان يحدث مع إجراءات مكافحة الإرهاب التي تبنتها دول مختلفة بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية، فلن يُغير الفيروس التاجي من طرق مهاجمته للأفراد إذا عرف أن السلطات تتبعه.

ويؤكد الكاتب البريطاني أن بداية تبني هذه الإجراءات ستجعل منه “وضعًا طبيعيًا” جديدًا خلال السنوات المقبلة، فبمجرد احتواء هذا التفشي، سيكون هناك دائمًا تخوف من احتمالية حدوث تفشي آخر للفيروس. لذلك، وعلى غرار ما حدث في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية حين اتخذت الدول تدابير للحد من احتمال نشوب حرب عالمية جديدة، فإن الوقاية من الأوبئة الفيروسية في امستقبل ستصبح أولوية من أولويات الحكومات والخدمات الأمنية.

ويختتم الكاتب المقال بقوله أن ذلك قد يشمل قبول العديد من التقنيات، من بينها المراقبة والذكاء الاصطناعي وتتبع تحركات المواطنين، لكن ذلك سيتطلب من الحكومة ومقدمي الخدمات التقنية التفكير بعناية بشان آلية تنفيذها، لضمان تفادي سوء استغلالها سواء من أولئك الذين يرغبون في تحقيق أرباح مالية أو تعزيز مصالحهم السياسية.

Share.

Leave A Reply