حالة الأسواق العالمية:

نمر الآن بمرحلة غير مسبوقة لم أر مثلها خلال خبرتي التي تمتد إلى 44 عاماً في عالم المال والتمويل، إنها ليست أزمة مالية، ويقتصر ما يمكن تحقيقه من خلال الاعتماد على البنوك المركزية للحد من تداعيات هذه المشكلة على نتائج محدودة فقط.

نرى البنوك المركزية تقوم بدور أكثر فاعلية بتوليها مسؤولية تحقيق الاستقرار في الأسواق، بالإضافة إلى أدائها الجيد في توفير السيولة، وذلك خلافاً لما كان عليه الحال خلال الأزمة المالية في عام 2008، والتي تفاقمت نتيجة لأزمة السيولة. ووفقاً لذلك، هناك الكثير من الروافع في النظام، مثل رافعة التمويل الشخصي وصناديق التحوّط، إذ أصبحنا نرى أحجام هائلة للتصفيات ضمن صناديق التحوط التي تسبب ضغوطاً كبيرة على الأسواق.

ولكن مرة أخرى، فهي ليست أزمة مالية تقليدية، وهذا هو سبب استمرار الأسواق في انزلاقها حتى بعد أن أعلن البنك الفيدرالي الأمريكي عن إنشاء برامج طموحة، حيث إن الأمر يتمثل في أزمة ثقة. وها نحن جميعاً نعيد ترتيب أولوياتنا ونبذل قصارى جهودنا، ومن الطبيعي ألا تنجح بعض الإجراءات، ولكن بشكل عام سنتعافى ونتجاوز الأزمة.

نعمل مع الحكومة ونبذل قصارى جهدنا لتحقيق استقرار الاقتصاد، ونحن بحاجة إلى تحديد السياسات المالية التي علينا اتباعها، الأمر الذي يعتمد في نهاية المطاف على منحنى معدل انتشار المرض. فلو بلغ انتشار العدوى ذروته في الولايات المتحدة الأمريكية بحلول نهاية شهر نيسان/أبريل، وهو ما تشير إليه توقعات العديد من العلماء، فلا يزال أمامنا 5 إلى 6 أسابيع، ومن ثم فترة مماثلة أخرى لنشهد انحسارها. وبشكل عام، فمن المتوقع أن يستغرق الأمر فترة تصل إلى 3 أو 4 أشهر قبل انجلاء الأزمة.

إذا نظرنا إلى الصين كمقياس، فقد تمكنت من الحد من انتشار الوباء عن طريق إغلاق اقتصادهم بإحكام، وقد استغرقهم الأمر حوالي 10 أسابيع للتعافي. إلا أن إغلاق الاقتصادات الديمقراطية يعد أصعب بكثير مقارنة بالأنظمة الاستبدادية، ولهذا السبب فإنني أرى أن الولايات المتحدة ستستغرق من 3 إلى 4 أشهر لوضع حد لمعدلات الإصابة بالمرض. وإن كان ذلك صحيحاً، فكيف يمكن لنا أن نضمن بأن المواطنين الأمريكيين لديهم ما يكفيهم من المال للعيش، وإذا ما كان بمقدور الشركات الصغيرة الاستمرار والبقاء، وغيرها من التحديات، وهنا يأتي دور السياسة المالية.

أوصي كل من يستمع إلينا، إن كنتم تتفقون معنا على أنها مشكلة تتراوح مدتها ما بين 3 إلى أربعة أشهر، فلا تبتعدوا عن عالم الاستثمار، فمع تراجع الأسواق بنسبة 30% وبوجود الفوارق الائتمانية لمئات النقاط الأساسية، يمكنكم شراء السندات البلدية العائمة بنسبة فائدة 1%، نحن نرى الآن فرصاً واعدة لم تكونوا تحلمون بها قبل حوالي 5 أسابيع. أهم ما في الأمر هو أن تتمتعوا بالهدوء، وأن تكون لديكم رؤية بعيدة المدى. بالنظر إلى ما قامت به الصين، إنه مجال لمتابعة منحنى معدلات الإصابة، وأين تكمن فرص الاستثمار.

أولويات الشركة:

تسعى كل شركة لضمان توفر السيولة لديها، وبأن موظفيها يشعرون بالاهتمام والراحة، وتعي الشركات ذات الرؤى السديدة أن الموظفين يحلون في المرتبة الأولى. وهناك بعض الشركات التي تستفيد من هذه الجائحة، مثل كروجر، وبي آند جي، وأمازون، ونيتفليكس وغيرها من الشركات، كما أن العديد من قطاعات الاقتصاد تشهد طلباً متزايداً بشكل كبير، غير أن لهذا الأمر تأثير مدمر على مؤسسات الأعمال الصغيرة.

وعند الحديث عن الصين، فقد انتقلت المصانع من مرحلة الإغلاق للعودة إلى 80% من طاقتها الإنتاجية، ويجب على الشركات الأمريكية أن تركز على المحافظة على وضعها خلال الفترة التي تتراوح ما بين 8 و12 و20 أسبوعاً المقبلة.

ينبغي على بلاك روك أن تحافظ على علاقتها بالعملاء، وأن تحمي موظفيها، وأن تكون مستعدة لمرحلة الاستقرار ونتعاش الأعمال الآتية لا محالة. ونحن نعمل على مساعدة الكثير من القطاعات، على غرار قطاع التأمين والعملاء المتقاعدين، في التغلب على حالة الشك والضبابية التي تشوب الأوضاع الراهنة، والاستفادة من إضافة المخاطر والفرص الكبيرة والعوائد على الأرباح التي كانت تعد حلماً بعيد المنال قبل بضعة أسابيع.

نشهد فرصة هائلة للدخول إلى السوق، ليس بشكل كامل في الفترة الحالية، ولكننا نوصي العملاء بتحمل المخاطر بطريقة تدريجية ممنهجة.

عمليات شركة بلاك روك:

ينصب تركيزنا على ضمان بقاء ثقافتنا صلبة وراسخة في الفترة الحالية كما كانت عليه قبل ثمانية أسابيع، ولدينا اليوم ما نسبته 8-12% من الموظفين في المكاتب، كما سيعود الكثير منهم إلى المكاتب الموجودة في آسيا. وتعد النقطة الأهم في كون فريقنا على اتصال هي أنه بقي على تواصل مع كافة عملائنا.

لا يفكر الكثير من الناس بشأن الثقافة خلال هذا الوباء، غير أنها تبقى الفيصل ما بين الشركات الجيدة والشركات السيئة، وبين الشركات الجيدة وتلك العظيمة، إذ أنها لا بد وأن تكون ثقافة إيجابية ومنسجمة، وخاصة عندما يعمل الجميع من منازلهم.

نحن نعمل بشكل جيد بالفعل من المنزل، ولدينا تقنيات فاعلة (نظام علاء الدين – وهو منصة تكنولوجيا فردية)، ونتواصل مع بعضنا البعض بشكل متكامل، وقد أصدرت للتو رسالة فيديو لكافة الموظفين، ونحن على اتصال يومي معهم بشأن كل ما نقوم به، ونتبادل رسائل يومية حول ما يقدم عليه عملاؤنا وغير ذلك من المواضيع.

التعاون مع الحكومة:

مع دخول فترة الانتخابات في أمريكا – لا يوجد وقت للشراكة الآن

نبذل ما بوسعنا لمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية حكومة وشعباً، ونعمل عن كثب مع الإدارة الحالية على أفضل نحو ممكن، كما نعمل مع الديمقراطيين في الكونغرس (مجلس النواب الأمريكي)، إننا نتعاون مع الجانبين. نعمل على المساهمة في تسريع الإجراءات التي تتخذها الحكومة للحد من الخوف بين الأمريكيين، وتوفير الدعم للذين يفقدون وظائفهم منهم، إلى جانب عملنا مع الجهات التنظيمية والتأكد من بقاء الأسواق مفتوحة وعاملة ومتحركة.

تأثيرات طويلة المدى/تغيّرات سلوكية

من المنصف القول بأنني لا أرى إمكانية لعودة دور السينما إطلاقاً، في حين أعتقد بأننا سنشهد ضغطاً حقيقياً على العقارات التجارية. يزداد عدد الشركات التي ترى أن العمل من المنزل هو أسلوب فاعل، خاصة مع وجود تقنيات مثل نظام علاء الدين، والاجتماعات المرئية بالفيديو، والعديد من التقنيات العملية الأخرى. غير أنني لا زلت أؤمن ببيئة العمل الجماعية لتحقيق التميّز الذي يعد عاملاً مهماً، ولدي قناعة بأن تجاذب أطراف الحديث عند مبرد الماء من شأنه أن يحفز براعة الموظفين.

قد نرى تغيّرات سلوكية طويلة المدى، فقد يزداد عدد الأمريكيين الذين سيتوجهون إلى إعداد طعامهم في المنزل، وهو أمر سيئ لخدمات التوصيل، وممتاز لمحلات البقالة. وكمستثمرين، فإن علينا التفكير في هذه التغيّرات السلوكية، ومما لا شك فيه أن هذا سيؤثر على البشر كافة، وسيخلق عموماً المزيد من المخاوف.

نأمل أن الناس ستدرك الحاجة إلى ادخار المزيد من المال والاستثمار على المدى الطويل، وهي نتيجة رائعة. وعلاوة على ذلك، فقد باتت شبكة الأمان الشخصي أمر حتمي.

العولمة – التحديات، الفوائد، والمواقف المتغيرة:

يعتقد البعض أن العولمة كانت السبب وراء ظهور هذا الفيروس، غير أنني لمست خلال محادثاتي مع المدراء التنفيذيين أن مواقفهم لم تتغير. لقد ساهمت العولمة في الارتقاء بحياة الكثير من البشر في فترة زمنية أقصر من أي شيء يمكن أن نتخيله، وهو أمر لن يتغير، ولا أعتقد أن التوجه نحوها سيتوقف.

أعتقد بأنه ستكون هناك فرص كبيرة للاستثمار في الخارج مرة أخرى، وأن الوضع في أمريكا سيظل في حالة جيدة خلال العشر سنوات المقبلة. كما سيجبر هذا الوباء المزيد من الشركات على التفكير في كيفية زيادة ارتباطها وقنوات اتصالها ضمن كافة المجتمعات التي تعمل فيها.

وبالحديث عن الاستدامة في ظل وجود هذه الجائحة وأسعار النفط الحالية بالإضافة إلى وضع الاقتصاد الراهن، فقد أصبحت قضية الاستدامة بأكملها أمراً ثانوياً. وأعتقد بأننا عندما نتجاوز هذه الأزمة ونعود إلى الوضع الطبيعي، فبالنظر إلى معدلات الوفيات والأسباب والنتائج، فإننا سنجد الدليل على أن معدلات الوفيات كانت أعلى في المناطق التي يزداد فيها التلوث. وحتى ذلك الحين، ستبقى الاستدامة أمراً ثانوياً مقارنة بمعضلة الجائحة.

وجهات نظر عملاء العملاء:

لطالما كانت بلاك روك تركز في تفكيرها على المدى الطويل، وقد أصبحنا ننتهز الفرص ونشتري الشركات خلال هذه الفترة. ليست لدي أي فكرة إن كنا قد وصلنا إلى القاع بعد، لكني أعرف إلى أين تمضي تقديرات القيمة على المدى الطويل، وتقييمات الائتمان على نفس المدى، هناك فرص جيدة تلوح في الأفق. وأنا أحث الجميع وأقول، إن كانت لديكم التزامات طويلة الأمد، أو لم يكن لديكم مديونيات على العملاء أو على محفظتكم الخاصة، فقد حان الوقت للبدء في إضافة المخاطر والاستعداد لها وليس الابتعاد عنها.

نحن في بلاك روك رأينا حالات محدودة من استرداد الاستثمارات، وقد تسارعت هذه العمليات بالطبع خلال الأيام القليلة الماضية أثناء حالة الذعر، لكن الانخفاضات الأكبر كانت ضمن صناديق التحوط المدعومة، وصناديق الرهن العقاري المدعومة بالقروض، والشركات ذات المديونية.

وبالنظر للمستثمرين الرئيسين، فهم لا يجرون الكثير من عمليات البيع حالياً، وأوصي الجميع وبشدة في حال لم يكونوا مضطرين للبيع وأن الأمر لا يتعدى شعورهم بالتوتر، فكل ما عليهم فعله هو القيام بشيء يدفعهم إلى الاسترخاء كتناول الغذاء مع أقرانكم.

إن هذا الوقت ليس مناسباً للهروب من المخاطر على المدى الطويل. قد تستمر الأسواق في التراجع عما هي عليه الآن، وقبل 6 أسابيع من الآن كان مؤشر داو جونز أعلى بنسبة 30% مما هو عليه حالياً، وقد كانت عمليات التصحيح على المدى الطويل جيدة، وذلك بمسح نسبة المديونية وإعادة تأكيدها. وبعد خمس سنوات من الآن، وإضافة عنصر المخاطرة، فإن كل ذلك سيجعلنا نشعر بالرضا حيال الأمر.

Share.

Leave A Reply