نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية مقالًا تحليليًا للطبيب الأمريكي ديفيد كاتس المدير المؤسس لمركز الدراسات الوقائية “ييل-جريفين” التابع لجامعة ييل يستعرض خلالها “حالة الحرب” التي دخلت فيها دول عدة على مستوى العالم ضد فيروس كورونا المُستجد، وتداعيات تلك الحرب على موارد كل دولة واقتصادها، وأهمية إستراتيجية “المناعة الجماعية”، وما هو الحل الأمثل فعلًا للتعامل مع فيروس كورونا المُستجد.

واستهل كاتس مقاله بأهمية تحليل كلمة “حالة الحرب” التي أعلنها رؤساء الدول ضد فيروس كورونا المُستجد “كوفيد 19″، ونوه بأننا أمام نوعين من التوجهات؛ إما الحرب المفتوحة والهجوم المباشر والتعرض لخسائر فادحة، والتي تتبناها حتى الآن الولايات المتحدة ومعظم الدول من خلال عزل الأفراد ذاتيًا وتعليق الأنشطة التجارية والدراسة، أو تنفيذ “عملية دقيقة” تستهدف بشكل منهجي الخطر الذي يداهمنا؛ وهو ما سيُمكننا – إذا تم تنفيذها بشكل جيد – من تقليل الخسائر.

المناعة الجماعية

ذكر كاتس أن الأوبئة تحدث عندما يكون سكان دولة ما بأكملهم معرضين لمرض معين قادر على نشر نفسه بكفاءة، وتنتج المناعة لدى الأفراد عندما يطور الجهاز المناعي بداخل أجسادنا مضادات لهذه الفيروسات، إما بشكل طبيعي أو باستخدام لقاح، والذي يُطور معمليًا بالكامل في حالة تكرار التعرض للمرض نفسه.

ونوه بأن استجابة الجهاز المناعي القوية للغاية قادرة على القضاء على الفيروس الذي يهاجم البشر كليًا، كما يمنعه أيضًا من تطوير نفسه، ويمنعه كذلك من الانتقال إلى آخرين؛ بحيث إذا قضى الجهاز المناعي على الفيروس بداخله فسوف يكتسب الجسد المضيف مناعة ضد ذلك المرض ولن ينتقل المرض من خلالك إلى شخص آخر، حتى لو لم يكن ذلك الشخص الآخر محصنًا بعد ضد ذلك الفيروس.

استكمل كاتس النظرية بقوله إنه عندما يتعرض عدد من الأشخاص للفيروس بتلك الطريقة ويتمكن الجهاز المناعي من القضاء عليه، سينتشر مرة واحدة بين عدد كبير من السكان وينتهي في النهاية، وهي النظرية التي يُطلق عليها “المناعة الجماعية”.

ولفت كاتس إلى أن إستراتيجية “المناعة الجماعية” هي الأقرب للتطبيق مع فيروس كورونا المُستجد، والتي هي بالفعل مُتبعة في هولندا بعد أن أعلن رئيس الوزراء الهولندي مارك روتي أن أغلبية السكان في هولندا سيصابون بالفيروس، لكنه استبعد إغلاقًا تامًا للبلاد، مضيفًا أن حكومته تريد تطوير “مناعة جماعية” بانتظار تطوير لقاح، وذلك بعدم حماية الأشخاص الأقل ضعفًا من الإصابة بالفيروس، والاكتفاء بحماية المسنين والمرضى منه.

واعتبرها رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون كذلك بمثابة الحل الأمثل لفترة من الوقت قبل أن يستبعدها مرة أخرى نتيجة للسخط الشعبي من طرح الفكرة.

الأشخاص الأكثر ضعفًا

أظهرت البيانات الواردة من كوريا الجنوبية، حيث شهدت أفضل تتبع لفترة حياة الفيروس حتى الآن، أن ما يصل إلى 99% من الحالات المُصابة بالفيروس من السكان هي “بسيطة” ولا تتطلب علاجًا طبيًا مُحددًا؛ أما المصابين الذين يبلغون من العمر 60 عامًا وأكثر، فأولئك هم الأكثر تضررًا من ذلك الفيروس، ويحتاجون إلى رعاية صحية عاجلة.

يتعرض المصابون الذين تزيد أعمارهم عن 70 عامًا لخطر الوفاة ثلاثة أضعاف أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 60 إلى 69 عامًا، كما يتضاعف خطر الوفاة لأولئك الذين تزيد أعمارهم عن 80 عامًا مقارنة بالأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 60 إلى 69 عامًا.

وأثبتت تجربة سفينة “دايموند برنسيس” البريطانية التي تضم عددًا كبيرًا من المسنين افتراضات كوريا الجنوبية؛ حيث بلغ معدل الوفيات بين هؤلاء الأشخاص المعزولين والمعرضين بشكل موحد للفيروس ما نسبته 1%.

التباعد الاجتماعي

أوضح الطبيب الأمريكي أن حالات الوفاة من الفيروس حتى الآن تتركز بشكل رئيسي بين كبار السن، وأولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة مثل مرض السكري وأمراض القلب، وهو ما لا ينطبق على الآفات المعدية مثل الأنفلونزا، والتي تصيب كبار السن والمصابين بأمراض مزنة أيضًا، لكنها تقتل الأطفال أيضًا.

وأضاف أن تلك البيانات تُشير إلى أننا بإمكاننا تحقيق هدفنا المُتمثل في التباعد الاجتماعي، والذي يستهدف إنقاذ الأرواح من خلال تكوين مناعة مضادة، إضافة إلى عدم إرباك النظام الطبي لكي يتم تقديم الخدمات لأولئك الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا فقط.

التداعيات الاقتصادية

أكد كاتس أنه يشعر بالقلق البالغ من العواقب الاقتصادية والاجتماعية والصحية الناجمة عن هذا الانهيار شبه الكامل للحياة الطبيعية، بما فيها من إغلاق للمدارس والشركات وحظر التجمعات، لا سيما أن هذه العواقب ستمتد لفترة طويلة وستكون كارثية، مشددًا على أن تلك الخسائر ستُصبح بالتأكيد أخطر من الفيروس نفسه.

وأضاف أن سوق الأوراق المالية سيتعافى بالتأكيد بعد فترة ليست ببعيدة، إلا أن العديد من الشركات لن يكون بمقدورها ذلك، وسترتفع بالتأكيد معدلات البطالة والفقر وهي ما سينتُج عنها آفات صحية عامة أكثر ضررًا.

الاحتواء وتسطيح المنحنى

أوضح كاتس أن الولايات المتحدة فشلت بالفعل في احتواء الفيروس بشكل حاسم على عكس الصين أو كوريا الجنوبية، وتفتقر إلى وسائل الرد المناسبة على غرار سنغافورة، منوهًا بأننا نُساير ما يحدث في إيطاليا، ونُخاطر بانهيار نظامنا الصحي مرتين، في الأولى عندما يتزاحم الأشخاص على المستشفيات لإجراء فحص الفيروس، وفي الثانية عندما يتعرض الأشخاص الأكثر ضعفًا للإصابة ويصبحون بحاجة إلى أسرِّة المستشفيات.

واستطرد قائلًا “نحن نتبع الآن إستراتيجية “الحظر الأفقي” بحيث تُطبق سياسات الاحتواء على جميع السكان بشكل موحد دون مراعاة لخطر تفشي العدوى، ففي الوقت الذي تُسرح فيه القوى العاملة بشكل جماعي، وتُغلق الجامعات، ويعود الأشخاص المُصابون بالفيروس إلى عائلاتهم في جميع أنحاء البلاد مرة أخرى، وفي ظل افتقارنا لوجود أجهزة فحص واختبار للسكان في كل مكان، فقد يحمل الأشخاص العائدون الفيروس وينقله إلى آبائهم الذين يبلغون من العمر 50 عامًا أو أكثر”، مُشددًا على أننا نفتقر إلى ما أسميه إستراتيجية “الحظر العمودي” بحيث يُعزل الأشخاص المُحتمل نقلهم للفيروس عن أولئك الأكثر ضعفًا وخطرًا من الوفاة بالمرض.

أكد كاتس أن جعل منحنى الوباء مسطحًا بدلًا من تقديم حماية تفضيلية للأشخاص الأكثر ضعفًا بشكل خاص، سيجعلنا نُكافح الوباء بشكل غير فعال بل ونتسبب كذلك في حدوث انهيار اقتصادي في البلاد.

تساءل الطبيب الأمريكي عما سيحدث حال نجاحنا في إبطاء تفشي فيروس كورونا المستجد، فهل سينتهي الاضطراب الذي حدث على مستوى المجتمع؟ وهل سيكون آمنًا عودة الأطفال الأصحاء والمعلمين إلى المدرسة؟ وهل سيكون آمنًا عودة القوى العاملة بشكل عام إلى أعمالهم، خاصة وأن بينهم مجموعة من الأشخاص الأكثر ضعفًا تجاه المرض؟ هل سيستطيع الأفراد زيارة ذويهم في دور رعاية المسنين أو المستشفيات؟ بالتأكيد لا نعلم إجابة مُحددة لتلك الأسئلة حتى نستطيع التوصل إلى علاج فعال أو لقاح أو انخفاض معدلات التفشي لمستويات متدنية للغاية.

وأكمل تساؤله بالقول ماذا لو تجاوزت تلك المدة أكثر من عام؟ هل سنستطيع تحمل النتيجة لذلك الخلل المجتمعي الناجم عن الفيروس طوال تلك الأشهر، هذا بالتأكيد صعب للغاية.

البديل

قال كاتس إن علينا، بدلًا من الخطوات الحالية التي تتبعها الدول، تركيز جهودنا ومواردنا على الاختبار وحماية الأشخاص الأكثر ضعفًا تجاه المرض؛ كبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة وأولئك الذين يعانون من ضعف في المناعة.

وأضاف أن المصابين بالمرض سيكون لهم الأولوية في الحصول على أول لقاح يُعتمد رسميًا، والغالبية التي لم تُصب تستطيع الاستفادة من الموارد المتاحة لحمايتهم من خطر تفشي المرض.

أشار كاتس إلى أنه في حال اكتشفنا أن الأشخاص الأصغر سنًا أيضًا بمرور الوقت معرضون بشكل خاص للفيروس، فيُمكننا عندئذ توسيع فئة الأشخاص الأكثر ضعفًا وعرضة لخطر الإصابة وتوسيع نطاق الحماية لهم.

ونوه بأننا يُمكننا إنشاء قائمة تفصيلية بمعايير الأشخاص الأكثر ضعفًا وعرضة لخطر الإصابة بمساعدة مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها، على أن تُحدث بشكل يومي وتُعمم على قطاع الرعاية الصحية والعامة على حد سواء.

وأضاف أن إغلاق المدارس والكليات والشركات سيضع حملًا زائدًا على أفراد القطاع الطبي من جهة، ويُسهم في زيادة الاختلاط عبر الأجيال المختلفة عند تجمعهم في المنزل ما سيُعرض الفئات الأكثر ضعفًا للخطر.

طرح الطبيب الأمريكي إمكانية عزل الفئات الأكثر ضعفًا خاصة في منازلهم وتزويدهم بالخدمات المطلوبة وتوجيه نظامنا الطبي إلى رعايتهم مُبكرًا من خلال إجراء اختبار استباقي للفيروس، وتقديم العقاقير المضادة للفيروسات التي تُحقق نجاحًا إليهم بشكل خاص قبل الآخرين، إلا أن ذلك لا يُمكن أن يحدث في ظل إجراء اختبارات فيروس كورونا المستجد على مساحة كبيرة جدًا من السكان.

وأردف يقول إن إجراء الاختبارات على جزء أصغر بكثير من السكان سيسمح لمعظم المجتمع بالعودة إلى حياتهم الطبيعية، ونتلافى انهيار قطاعات كبيرة في الاقتصاد، ويعود الأطفال الأصحاء إلى مدارسهم، ويعود البالغون الأصحاء إلى وظائفهم، ويُمكننا إعادة فتح المسارح والمطاعم، لكن بالتأكيد يُفضل تجنب التجمعات الكبرى مثل الأحداث الرياضية والحفلات الموسيقية.

أوضح كاتس أن حمايتنا للأشخاص الأكثر ضعفًا ستُمكننا من استعادة الهدوء المجتمعي، حيث سيستطيع أفراد المجتمع تطوير المناعة الجماعية الطبيعية ضد الفيروس، وسيصاب الغالبية العظمى من السكان بأعراض بسيطة ناجمة عن الفيروس، وسيكتسبون مناعة طبيعية، ما سيُخفض من خطر انتقال ذلك المرض إلى الأشخاص الأكثر ضعفًا.

يُشار إلى أن الإستراتيجية التي يستعرضها كاتس هي مُقاربة لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أكد مرارًا وتكرارًا بأنه لن يسمح بأن يتحول فيروس كورونا إلى مشكلة اقتصادية طويلة الأمد تتسبب في تدمير الاقتصاد، موضحًا أن هذا الفيروس سوف ينتهي انتشاره عاجلا أم آجلا.

طالب ترامب في تصريحاته الشعب الأمريكي بالحفاظ على التباعد الاجتماعي للحد من تفشي الفيروس، وحذر من أن الوفيات التي قد تنجم عن الانتحار والاكتئاب الناجم عن الخسائر الاقتصادية قد تتجاوز بكثير وفيات الفيروس.

وأصبحت الولايات المتحدة ثالث دولة في العالم من حيث عدد الإصابات، خاصة مع التوسع في إجراء الاختبارات، وهو ما يكشف عددا أكبر من دول أخرى ليست لديها القدرة على إجراء الاختبارات بشكل موسع.

اختتم ديفيد كاتس المقال بالقول إن المسار الذي تسلكه الولايات المتحدة وقادة العالم حاليًا قد يتسبب في انتشار عدوى فيروسية غير مضمونة الآثار وخسائر إضافية هائلة على المجتمع والاقتصاد. لذا، علينا من الأفضل اتباع سبيل أكثر احترافية ودقة في مواجهة هذا الفيروس.

Share.

Comments are closed.